الشنقيطي
47
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قال : وهذا قول يرده لسان العرب وأقوال السلف اه . أما قوله : يرده لسان العرب فليس كما ذكر . وقد استدل من ذهب إلى جواز ذلك بوجوده في لسان العرب ، قال اللّه تعالى : إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 10 ) [ القصص : 10 ] فقوله : إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ [ القصص : 10 ] : إما أن يتخرج على أن الجواب على ما ذهب إليه ذلك القائل ، وإما أن يتخرج على ما ذهبنا إليه من أنه دليل الجواب ، والتقدير : لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدي به . وأما أقوال السلف : فنعتقد أنه لا يصح عن أحد منهم شيء من ذلك ، لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضا ، مع كونها قادحة في بعض فساق المسلمين فضلا عن المقطوع لهم بالعصمة . والذي روي عن السلف لا يساعد عليه كلام العرب ؛ لأنهم قدروا جواب لَوْ لا محذوفا ولا يدل عليه دليل ؛ لأنهم لم يقدروا لهم بها ولا يدل كلام العرب إلا على أن يكون المحذوف من معنى ما قبل الشرط ؛ لأن ما قبل الشرط دليل عليه اه . محل الغرض من كلام أبي حيان بلفظه . وقد قدمنا أن هذا القول هو أجري الأقوال على لغة العرب ، وإن زعم بعض العلماء خلاف ذلك . فبهذين الجوابين تعلم أن يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بريء من الوقوع فيما لا ينبغي ، وأنه إما أن يكون لم يقع منه أصلا بناء على أن الهم معلق بأدة الامتناع التي هي لَوْ لا على انتفاء رؤية البرهان ، وقد رأ البرهان فانتفى المعلق عليه ، وبانتفائه ينتفي المعلق الذي هو همه بها كما تقدم إيضاحه في كلام أبي حيان . وإما أن يكون همه خاطرا قلبيا صرف عنه وازع التقو ، أو هو الشهوة والميل الغريزي المزموم بالتقو كما أوضحناه . فبهذا يتضح لك أن قوله : وَهَمَّ بِها لا يعارض ما قدمنا من الآيات على براءة يوسف من الوقوع فيما لا ينبغي . فإذا علمت مما بينا دلالة القرآن العظيم على براءته مما لا ينبغي ، فسنذكر لك أقوال العلماء الذين قالوا : إنه وقع منه بعض ما لا ينبغي ، وأقوالهم في المراد ( بالبرهان ) فنقول : قال صاحب الدر المنثور في التفسير بالمأثور : أخرج عبد الرزاق ، والفريابي ، وسعيد ابن منصور وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، والحاكم وصححه ، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : لما همت به تزينت ثم استلقت على فراشها ، وهم بها جلس بين رجليها يحل تبانه نودي من السماء « يا ابن يعقوب ، لا تكن كطائر ينتف ريشه فيبقى لا ريش له » فلم يتعظ على النداء شيئا ، حتى رأ برهان ربه جبريل عليه السلام في صورة